قناة الولاية

...
  عدد المشاهدة:  101   |   تاريخ الارسال: 2018-5-24
خديجة الكبرى عليها السلام


خديجة الكبرى، هي خديجة بنت خُوَيْلِد بن أسد بن عبدالعُزّى بن قُصَي من سادات قريش وأشرافها، أم المؤمنين وزوج النبيصلى الله عليه وآله وسلم، وهي أول امرأة تزوجها – في الجاهلية- وأول الخلق إسلاماً بإجماع المسلمين لم يتقدمها رجل و لا امرأة غير علي بن أبي طالبعليه السلام، وكانت تدعى في الجاهلية الطاهرة ولقبهاصلى الله عليه وآله وسلم بالكبرى، وذكر التاريخ أنها ولدت حوالي عام 68 قبل الهجرة.
أمّها فاطمة بنت زائدة بن الأصم، واسمه جندب بن هذم بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي.[1] فولدت له صلى الله عليه وآله وسلم القاسم (وكان يكنّى به) وعبد الله (وهو الطاهر والطيب) وزينب ورقية و أم كلثوم وفاطمة.[2] وقفتعليها السلام إلى جانب النبي صلى الله عليه وآله وسلم مساعدةً و معاضدةً حتى أنفقت ثروتها الطائلة في نجاح الرسالة وتحقيق الأهداف التي كان يرومها صلى الله عليه وآله وسلم، وكان رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم شديد الحب لها ولم يفتأ يذكرها ويثني عليها، وكانصلى الله عليه وآله وسلم يردّ على من كانت تقول له إن الله أبدلك بخير منها: «لا واللّه ما أبدلني اللّه خيراً منها، آمنت بي إذ كفر الناسُ، وصدّقتني وكذّبني الناسُ وواستني في مالها اذ حرمني الناسُ ورزقني اللّه منها أولاداً إذ حرمني أولاد النساء». توفيتعليها السلام في مكة قبل الهجرة بثلاث سنين عن سن ناهز الخامسة والستين على القول المشهور.[3] فكانت وفاتها مصيبة عظيمة أحزنت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ودفعته إلى أن يسمّي ذلك العام الذي توفي فيه ناصراه وحامياه، ورفيقا آلامه (زوجته خديجة وعمّه أبو طالب) بعام الحزن، وأن ينزل صلى الله عليه وآله وسلم عند دفنها في حفرتها، ويدخلها القبر بيده، في الحجون، وكان قد كفنها برداء له ثم برداء من الجنة.[4] خديجة بنت خُوَيْلِد بن أسد بن عبد العُزّى بن قُصَي القرشية الأسدية المكنّاة بأم هند،[5] أم المؤمنين وأول خلق الله إسلاماً بإجماع المسلمين.[6] ولدت السيدة خديجة في مكة وقبل البعثة بثلاثة عقود أو أربعة، وترعرعت في بيت أبيها خُوَيْلِد أحد سادة قريش وأشرافها، وحليف بني عبد الدار بن قصي.[7] كانت خديجة طاهرة حازمة شريفة وفي قومها لبيبة، ومن أوفر أهل مكَّة غنى، انتفع بمالها أكثر الناس،[8] كنيتها أم الزهراء وأم المؤمنين.[9] لم يحدثنا التأريخ عن حياتها إبّان تلك الفترة الا ببعض الأوصاف التي سبغت عليها والتي تدل على شرفها وكرامة نفسها ورجاحة عقلها، وأنها كانت ذات ثروة طائلة فكانت تحترف التجارة وكانت تضاربُ الرجال في مالها، بشيء تجعله لهم منه أي من ذلك المال أو من ربحه.[10] بالاضافة الى مكانتها الاجتماعية المرموقة بين قومها، وقد وصف ابن سيد الناس ذلك بقوله: خديجة بنت خويلد امرأة حازمة جلدة شريفة مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير وهي يومئذ أوسط نساء قريش نسبا وأعظمهم شرفا وأكثرهم مالا.[11] ووصفها البلاذري بقوله: وكانت امرأة عاقلة حازمة برزة، مرغوبا فيها لشرفها و يسارها.[12] وقعت مسألة زواجها (عليها السلام) قبل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم موضع نقاش وجدال بين الباحثين الاسلاميين فذهب أكثر المؤرخين والباحثين من العامّة إلى القول بأنها تزوجت قبل زواجها بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم مرتين وأنها انجبت من ذانّك الزوجين، وهذا ما ينفيه فريق من الباحثين الشيعة، ومن تلك المصادر التاريخية التي تشير إلى زواجها السابق: ذكر البلاذري في أنساب الأشراف أنّ خديجة (عليها السلام) كانت قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند أبي هالة هند بن النباش بن زُرارة الأسيدي، من تميم، ولدت له هند بن أبي هالة، سمّي باسم أبيه.[13] وقال البلاذري أيضا: ثم خلف عليها بعده – أي بعد أبي هالة- عتيق بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فطلقها، فتزوّجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت خديجة عليه السلام ولدت لعتيق جارية، يقال لها هند تزوجها صيفي بن أمية بن عابد.[14] وقال ابن حبيب صاحب كتاب المنمّق في معرض حديثه عن النباش: النباش أبو هالة زوج خديحة بنت خويلد (عليها السلام) قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمفولدت له هالة وهنداً وهما رجلان.[15] وقال ابن حبيب أيضا في كتابه المحبّر الذي ألفه بعد المنمّق في من تزوج ثلاث مرّات: كانت خديجة (عليها السلام) قبله صلى الله عليه وآله وسلم عند أبي هالة هند بن النباش؛ ثم عند عتيق بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. في المقابل نجد الباحثين والمؤرخين الشيعة – وبعد دراسات معمقة لزوايا الموضوع- يشككون في ذانّك الزوجين السابقين على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويؤكدون أنها (سلام الله عليها) لم تتزوج قبل رسول صلى الله عليه وآله وسلم من أحد قط. ومن القرائن والأدلة التي تدعم ذلك: قال ابن شهر آشوب : وروى أحمد البلاذري، وأبو القاسم الكوفي في كتابيهما، والمرتضى في الشافي، وأبو جعفر الطوسي في التلخيص: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج بها وكانت عذراء. يؤكد ذلك ما ذكر في كتابي الأنوار والبدع أن رقية وزينب كانتا ابنتي هالة أخت خديجة (عليها السلام).[16] ومن الواضح أن ذيل كلامه لا يخلو من اشكال فإنّ المصادر التأريخية تؤكد بأنّ رقية وزينب هن بنات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من خديجة.[17] قال أبو القاسم الكوفي: إن الإجماع من الخاص والعام، من أهل الآثار ونقلة الأخبار، على أنّه لم يبق من أشراف قريش، ومن ساداتهم وذوي النجدة منهم، إلا من خطب خديجة، ورام تزويجها، فامتنعت على جميعهم من ذلك، فكيف يجوز في نظر أهل الفهم أن تكون خديجة، يتزوجها أعرابي من تميم، وتمتنع من سادات قريش، وأشرافها على ما وصفناه؟! ألا يعلم ذوو التمييز والنظر: أنّه من أبين المحال، وافظع المقال.[18] لقد روي أنّه كانت لخديجة عليه السلام أخت اسمها هالة، تزوجها رجل مخزومي، فولدت له بنتاً اسمها هالة، ثم خلف عليها- أي على هالة الأولى- رجل تميمي يقال له: أبو هند، فأولدها ولدا اسمه هند، وكان لهذا التميمي امرأة أخرى قد ولدت له زينب ورقية، فماتت، ومات التميمي، فلحق ولده هند بقومه، وبقيت هالة أخت خديجة والطفلتان اللتان من التميمي وزوجته الأخرى؟ فضمتهم خديجة إليها، وبعد أن تزوجت بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم ماتت هالة، فبقيت الطفلتان في حجر خديجة والرسول صلى الله عليه وآله وسلم. وكان العرب يزعمون: أن الربيبة بنت، ولأجل ذلك نسبتا إليه صلى الله عليه وآله وسلم، مع أنهما ابنتا أبي هند زوج أخت خديجة (عليها السلام) .[19] أجمعت المصادر التأريخية على أنّ السيدة خديجة (عليها السلام) هي أُولى زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوجها وهو في الخامسة والعشرين من عمره، هذا ما ذهب إليه ابن عبد البر في الاستيعاب،[20] قائلا: وتزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خديجة بنت خويلد بن أسد بعد ذلك بشهرين وخمسة وعشرين يوماً في عقب صفر سنة ست وعشرين وذلك بعد خمس وعشرين سنة وشهرين وعشرة أيام من يوم الفيل.[21] ولكنه نقل عن الزهري قوله: كانت سن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم تزوّج خديجة عليه السلام إحدى وعشرين سنة.[22] وذهب المسعودي أيضا إلى كون السيدة خديجة (عليها السلام) هي أولى زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم.[23] وهذا ما أكده البسوي وغيره من المصادر.[24] وقال ابن الاثير في معرض تأكيده لذلك: وأوّل امرأة تزوجها صلى الله عليه وآله وسلم خديجة بنت خويلد قبل البعثة.[25] ونقل ابن الأثير الأقوال المختلفة في سنّه صلى الله عليه وآله وسلم حين تزوجها والتي ترددت بين 21، 22، 25، 28، 30، 37.[26] كذلك اختلفت كلمة الباحثين والمؤرخين في سن خديجة (عليها السلام) حينما تزوجها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والتي ترددت بين الخامسة والعشرين والسادسة والأربعين إلا أّن الأكثرية ذكروا أنّها كانا في سن الأربعين.[27] ونقل المسعودي غير تلك التحديدات.[28] ومنهم من حدد ذلك بالخامسة والعشرين[29] ومنهم من قال عمرها ثمانية وعشرين عاما[30] و30 عاما [31] و35عاما[32] و 44 عاما.[33] و45 عاما.[34] و 46 عاما.[35] ويلاحظ هنا: مدى الاختلاف والتفاوت في عمر السيدة خديجة (عليها السلام) حين اقترانها بالرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم. ومن الصعب الخروج بنتيجة جازمة في تحديد سنّها عند زواجها من النّبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن لو أخذنا بعين الاعتبار مدة معايشتها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والتي بلغت خمساً وعشرين سنة، خمس عشرة سنة منها قبل البعثة والعشر الأخرى بعد البعثة[36] هذا من جهة، ومن جهة أخرى أنّ سن خديجة حين وفاتها كان 63 سنة أو 50 كما رجح ذلك البيهقي، حينئذ يتردد سن خديجة وفقا للقولين بين الأربعين والخامسة والعشرين. فإذا ذهبنا إلى ما رجّحه البيهقي وأنها توفيت في الخمسين من العمر يكون عمرها حين الزواج 25 سنة، وهذا ما رجحّه بعض الباحثين.[37] إلا أنّ المشكلة التي تواجه هذا الاحتمال هي خلو المصادر المعتبرة منه. من هنا من الصعب الجزم به. لكن يمكن الاستناد إلى قرينة أخرى وهي وفاة القاسم بن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فإنه لما توفي بعد البعثة[38] كشف ذلك عن كون ولادته كانت وعمر خديجة (عليها السلام) 55 سنة وهذا أمر بعيد جداً، فإذا ضممنا ذلك إلى ما ذهب إليه بعض أعلام الشيعة من أنّ النّبي تزوجها (س) وهي باكر[39] من جهة ومن المستبعد أنّ امراة كخديجة عليه السلام تبقى بلا زواج إلى سن الأربعين، فمن ضم هذه القرائن نخرج بنتيجة مؤداها أنّ عمرها عند زواجها مردد بين الخامسة والعشرين والثامنة والعشرين.[40] والجدير بالذكر هنا أنّ المعيار في الزواج الصحيح هو وحدة الفكر والهدف وسمو الأخلاق والعلاقات الزوجية الحميمة، لا العمر فإنّه يأتي بدرجة لاحقة لما مر، ولاريب أنّ هذا الزواج المقدس كان الغرض منه أمراً مقدسا وكانت المثل الإلهية العليا هي التي تدفع لتحقيق ذلك الزواج، يقول ابن اسحاق: لما بلغ خديجة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج لها في مال تاجراً إلى الشام و تعطيه أفضل ما تعطى غيره من التجار. مع غلام لها يقال له ميسرة، فقبله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخرج بذلك المال ثم أقبل قافلا إلى مكة و معه ميسرة، فكان ميسرة يحدثها عما شاهده من كرامات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخلاقه في تلك الرحلة، وكانت خديجة (عليها السلام) امرأة حازمة شريفة لبيبة مع ما أراد الله بها من كرامتها. فلما أخبرها ميسرة ما أخبرها بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعرضت عليه الزواج.[41]‏‏ وقال ابن سيد الناس: إن خديجة (عليها السلام) لما رأت من كرامات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قالت له: يا ابن عم، إني قد رغبت فيك لقرابتك، ووسطتك في قومك وأمانتك، وحسن خلقك وصدق حديثك‏.[42] وقد أشار إلى هذه المثل العليا التي جرّت إلى الزواج المبارك ابن الاثير في أسد الغابة.[43] كانت ثمرة ذلك الزواج سبعة أو ثمانية أولاد وقيل ستة. فقد نقل ابن كثير عن ابن إسحاق وابن هشام أسماء سبعة من أولاده من خديجة (عليها السلام) وأنّ جميع ولده صلى الله عليه وآله وسلم هم من خديجة إلا إبراهيم.[44] ونقل عن يونس بن بكير أسماء ستة من أبناء خديجة[45]، ونقل ابن الأثير عن الزبير بن بكار قوله: إنما لقب ولداه بالطيب والطاهر لولادتها بعد البعثة.[46] وقد أكدت سائر المصادر التأريخية أنّه لم ينجب له صلى الله عليه وآله وسلم إلا من خديجة ومن مارية ولده إبراهيم.[47] ولعل اختلاف كلمة المؤرخين في عدد الأولاد يرجع إلى الخلط بين أسمائهم وألقابهم، ومن هنا قيل أن خديجة أنجبت ستة اثنين من الذكور وأربعة من الإناث هما القاسم وعبد الله (والطيب والطاهر من ألقاب عبد الله) ومن الإناث زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة (عليها السلام).[48] أجمعت المصادر التأريخية على التسليم بكونها (عليها السلام) أول الناس إسلاما بين النساء[49] بل هناك من ادعى الإجماع على ذلك.[50] وقد أكد ابن عبد البر هذه الحقيقة بقوله: أوّل من آمن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد خديجة علي بن أبي طالب عليه السلام.[51] وهكذا سائر المصادر التي تعرض للحديث عن السابقين إلى الإسلام.[52] وكذلك المصادر التي أكدت على كونها وأمير المؤمنين عليه السلام أوّل من صلى مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم.[53] روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: سيدات نساء أهل الجنة أربع: مريم بنت عمران، وفاطمة بنت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، وخديجة وآسية.[54] وهن أفضل النساء[55] وقد لقبت بالطاهرة والزكية والمرضية والصديقة وسيدة نساء قريش[56] وخير النساء[57] والشريفة في قومها،[58] نعتها ابن الجوزي بمجموعة من النعوت التي تكشف عن سمو روحها ورجاحة عقلها، قائلا: العالمة، الطاهرة، ملؤها المعنوية وطلب الحق والفضيلة، تعشق الكمال والتسامي، وكانت منذ سنيها الاولى من نساء الحجاز الفاضلات ومن خيرة نساء العرب.[59] حظيت السيدة خديجة (عليها السلام) من بين زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكانة خاصة ومنزلة رفيعة لديه صلى الله عليه وآله وسلم وقد أكّدت الوثائق التأريخية هذه الحقيقة، بل بقي صلى الله عليه وآله وسلم طيلة حياته يذكرها بخير ويؤكد على مكانتها في قلبه الشريف وكان يثني عليها ولايرى من يوازيها في تلك المنزلة الرفعية، فعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا ذكر خديجة (عليها السلام) لم يسأم من ثناء عليها والإستغفار لها، فذكرها ذات يوم فحملتني الغيرة فقلت: لقد عوّضك الله من كبيرة السنّ، قالت: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غضب غضباً شديداً، ثم قال: والله لقد آمنت بي إذ كفر النّاس، وآوتني إذ رفضني النّاس وصدقتني إذ كذبني النّاس، ورزقت منّي حيث حرمتموه.[60] لقد كانت خديجة شريكة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم في كلّ آلامه وآماله، والمسلّية له بما أصابه من أذىِ، بل كانت المعينة له على مكاره قريش؛ ومن هنا لم يتزوج صلى الله عليه وآله وسلم في حياتها غيرها.[61] بل وصفت بعض الوثائق تلك العلاقة الحميمة بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبينها بالقول: وكانت خديجة (عليها السلام) له صلى الله عليه وآله وسلم وزير صدق بنفسها ومالها (رضى الله عنها وأرضاها).[62] مزجت السيدة خديجة (عليها السلام) بين الإيمان والعمل فكانت المصداق البارز للحديث الشريف "الايمان هو الإقرار باللسان وعقد في القلب وعمل بالاركان"[63] ومن هنا تراها قد امتثلت الأمر الالهي وآيات الذكر الحكيم بكل رحابة صدر باذلة الغالي والنفيس في طريق الرسالة فلم يبق من مالها شيء إلا وقد وضعته تحت تصرف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وما كانت تشعر- كما يقول سليمان كتاني- بأنها بذلت للنبي بل كانت تشعر بربحها لكنز وفير لا يدانيه كنز من كنوز الدنيا، والمتمثل بكنز الهداية المحمدية، وكانت تشعر بأنها تهدي حبّاً وحناناً لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم في مقابل السعادة العظمى التي تغمرها وهي في طريق البذل والعطاء. وكان لدعمها المادي الدور الكبير في غنى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والرسالة عمّا في أيدي الآخرين حتى عُدّ ذلك من النعم التي أنعمها الله تعالى عليه صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾[64] وكان صلى الله عليه وآله وسلم يثمّن ذلك العطاء الوفير ويشيد بصاحبته قائلا: «ما نفعني مالٌ قطُّ، ما نفعني مالُ خديجة».[65] وكان صلى الله عليه وآله وسلم يعتق بمالها الرقيق ويؤدي الديون عن الغارمين ويساعد الفقراء ويمدّ يد العون إلى المحتاجين وكان مصدر انفاقه في شعب أبي طالب وعند المحاصرة مال خديجة (عليها السلام) ومال أبي طالب حتى سجلت ذلك لنا المصادر التاريخية قائلة «فأنفق أبوطالب و خديجة جميع مالهما»[66] ومن الشواهد على ذلك أن أبا جهل بن هشام كان- فيما يذكرون- لقي حكيم بن حزام بن خويلد ابن أسد، معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة بنت خويلد، وهي عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ومعه في الشّعب، فتعلّق به وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم؟ والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة. فجاءه أبو البختري ابن هاشم بن الحارث بن أسد، فقال: مالك وله؟ فقال: يحمل الطعام إلى بني هاشم، فقال له أبو البختري: طعام كان لعمّته – أي خديجة- عنده بعثت إليه فيه، أ فتمنعه أن يأتيها بطعامها!.[67] لقد امتازت سيدة الحجاز بالعطاء والسخاء وسائر الخلال الحميدة. فقد وضعت ثروتها الطائلة تحت متناول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليبذلها في سبيل إنقاذ البشرية والمحرومين من الظلم والتعسّف فشمل عطاؤها اليتامى والجياع و... ويكفي في قيمة هذا العطاء والبذل أن الباري تعالى امتدحه وعدّه من النعم التي أنعم به عبده الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم .[68] وكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لايفتأ يذكر ذلك السخاء والبذل باجلال كبير.[69] لقد عاضدت السيدة خديجة (عليها السلام) رسول الإنسانية في حركته منذ الساعات الأولى للبعثة وحتى رحيلها عن هذه الدنيا، وكان لمساندتها الدور البارز في تقوية واستحكام الجبهة الداخلية للجماعة المؤمنة فكانت المثل الأعلى للمؤمن الرسالي الثابت القدم الراسخ العقيدة، ومن هنا نالت وبجدارة كبيرة لقب الطاهرة والصديقة وسيدة نساء قريش وخير النساء وأمّ المؤمنين، وغير ذلك من الألقاب الكبيرة. أرّخت المصادر التأريخية وفاتها في السنة العاشرة للبعثة وقبل الهجرة من مكة إلى المدينة بثلاث سنين.[70] عن عمر – حسب أكثر المصادر- ناهز الخامسة والستين.[71] وقال ابن عبد البر: إنها ماتت وعمرها 64 سنة وستة أشهر.[72] وبعضهم قال: إنها توفيّت بعد أبي طالب بعدّة شهور.[73] وعن ابن سعد أنها توفيت بعد أبي طالب بخمسة وثلاثين يوما.[74] وقال ابن سعد نفسه وغيره من الباحثين: إنها توفيت في شهر رمضان من السنة العاشرة.[75] فنزل صلى الله عليه وآله وسلم عند دفنها في حفرتها، وأدخلها القبر بيده، في مقبرة المعلى من جبل الحجون، و كان قد كفنها برداء له ثم برداء من الجنة.[76] و مدفنها الآن في مقبرة بني هاشم في مكة المكرمة.